5فبراير 2012 /// بمناسة ذكرى المولد النبوي الشريف إطلاق سراح الشيخ حسن الكتاني       
نص البيان الذي كتبه محمد الحسن الكتاني 4 أغسطس 2009
2009-08-31
بسم الله الرحمن الرحيم
و صلى الله على سيدنا محمد و آله و صحبه

س1- ما هي أهم التحولات التي رصدتها في العشر السنوات الأخيرة في المجال الديني في المغرب؟، وما هو تقييمك لتلك التحولات؟.
ج1: مما ينبغي التنبيه له هو أن المغرب كان يخضع لمنظومة دينية و اجتماعية تحكمه لمدة قرون. لكن تلك المنظومة انهارت بعد استقلال المغرب بفعل الاحتلال الفرنسي و التأثر به. و كذلك بفعل اختلاط المغاربة و تأثرهم بالعديد من الحركات التغييرية في المشرق الإسلامي.
وقد أدى ذلك إلى تعرض المغرب لموجة تغييرية كبيرة أبعدت جيل الشباب عن الإسلام، و ساعد على ذلك تحويل القوانين من الشريعة الإسلامية إلى القوانين الأوربية، مع سيطرة النخبة المتفرنجة على أغلب المواقع الحساسة.
غير أن الشعب المغربي لم تنطفئ جذوة الإيمان في قلبه، و لم تقف فيه حركة الإسلام و إن ضعف تأثيرها.
وإذا رجعنا للسؤال المطروح و رصدنا الوضع الديني خلال العشر سنوات الأخيرة فإننا نلاحظ أن مظاهر التدين ظهرت بشكل كبير على قطاعات واسعة من الشعب المغربي بكافة فئاته العليا و الوسطى و الفقيرة الشعبية.
وسبب ذلك جملة من العوامل مجتمعة يمكن تلخيصها في التالي:
1- جهود التيارات الإسلامية بكافة مدارسها، و عملها المتواصل منذ عشرات السنين.
2- الثورة الإعلامية التي عمت العالم، وذلك يظهر في المواقع الإلكترونية و القنوات الفضائية التي دخلت كل بيت في كل منطقة في البلاد.
3- معاناة المسلمين و اضطهادهم في العالم مما يجعلهم يراجعون هويتهم.
4- إفلاس الحضارة الغربية القائمة على المادة و إهمال الروح.
وقد ظهرت علامات التدين بأشكال متعددة يمكن إجمالها بما يلي:
1- امتلاء المساجد بالمصلين في أوقات الصلوات الخمس.
2- اكتظاظ المساجد بالرجال و النساء في المواسم الشرعية مثل التراويح برمضان.
3- شدة إقبال الناس على معارض الكتاب الإسلامي.
4- انتشار الحجاب في كل مكان و إقبال النساء عليه.
5- انتشار الشريط الإسلامي في كل مكان.
6- إقبال الشباب على حفظ وتجويد القرآن الكريم، وما مسابقات حفظ وتجويد القرآن الكريم إلا مظهر من ذلك، حيث نرى شبابا صغارا من الجنسين يحفظون و يرتلون القرآن الكريم بأصوات جذابة مع إتقان القراءة.
7- ظهور عدد كبير من أئمة المساجد المميزين بقراءتهم الرائعة مما يجذب آلاف المصلين لمساجدهم. و كذلك ظهور دعاة و خطباء و مؤلفين و محققين من جيل الشباب.
8- كثرة عدد الشباب المشاركين و المهتمين بقضايا و هموم الأمة الإسلامية.
أما تقييمي لهذه التحولات: فهو أنني مع فرحي بها و دعائي لها بالاستمرار إلا أنني أخشى عليها من الانحراف إلى طرفي القصد من إفراط و تفريط، كما أنني ما أزال أرى الضعف العلمي في المغرب، و لا أرى علماء كبارا يقودون الحركة و يرعونها حتى لا تنحرف مسيرتها و تستمر.
س2: ما هي أهم الإشكالات و العراقيل في المجال الديني بالمغرب بالمقارنة مع غيره من الدول؟.
ج2: الإشكالات داخلية و خارجية، أي إنها داخل الجسم الإسلامي و خارجه.
فأما الداخلية: فهي عشوائية العمل الإسلامي مما يجعل الجهود تتضارب أحيانا، أو تسير لا تلوي على شيء.
كما أن العلم ضعيف في المغرب، و لم يعد للمغاربة منهاج علمي محدد، مما يسهل تقبل الشباب لأي فكر جديد، و من أمثلة ذلك: انتشار الفكر الشيعي و كذلك الفكر الخارجي. لعدم وجود الحصانة العلمية.
و لا توجد مدارس و معاهد دينية مستقلة و منتشرة، كما أنه لا يوجد علماء عاملون يرجع إليهم و يهتدى بهديهم.
و هذا بخلاف دول أخرى مثل مصر و الجزيرة العربية بسائر دولها و الشرق الأقصى و الشام، بل و موريتانيا و غيرها من الدول فإننا نجد علماء بارزين و معاهد دينية كبرى، و صحفا و مجلات مشهورة و دور طباعة و نشر و فضائيات ممتازة متقنة، و مؤلفات قيمة جميلة أنيقة، و جهودا ضخمة تصل لحد إنتاج بنوك إسلامية عالمية و مصانع للمنتجات (الحلال) كبرى واسعة الانتشار. و هدايا للأطفال و غير ذلك، مما لا زلنا بعيدين عنه.
و الظاهر أن المغرب ما يزال تقليديا لم يتطور بعد مع الثورة العلمية التي استفاد منها مسلمو دول أخرى في العالم.
أما التحدي الخارجي: فهو أن المغرب يعاني من تيار علماني متفرنج قوي يسيطر على كثير من المواقع الحساسة، و يفرض رؤيته الأجنبية على الناس، و لا يقبل بالرأي الآخر.
و نتيجة لذلك فإن جملة من المشروعات الإسلامية المعتادة تحارب في عقر دارها، مثل دور القرآن و ما شابهها. و مثل البنوك الإسلامية، فإنها مسموح لها بالعمل في بريطانيا و اليابان، و إلى الآن لا تزال ممنوعة بالمغرب. و العديد من الإدارات تمنع المرأة من اللباس الإسلامي. و كثير من معارض الكتاب تمنع جملة من دور النشر الإسلامية من المشاركة فيها.
هذا كله مع امتلاك هذا التيار لأغلب المنابر الإعلامية و الثقافية، و السياسية، و حرمان التيار الإسلامي من غالب ذلك مع التضييق الشديد عليه في أخص منابره، وهي المساجد.
و الحق: إن بقاء الإسلام و حيويته و انتشاره بهذا الشكل إلى الآن هو من معجزات هذا الدين. و صدق رسول اللهصلى الله عليه وسلم وعلى آله حيث قال: "ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل و النهار، حتى لا يبقى بيت وبر و لا مدر ولا حجر إلا دخله هذا الدين، بعز عزيز أو ذل ذليل، عزا يعز الله به الإسلام و أهله".
س3: ما هي أهم التحديات في العشر سنوات المقبلة؟، و كيف ترى مستقبل المغرب؟.
ج3: الأمر لا يخرج عما قدمتُ لك، و المغرب يتأثر بما حوله كثيرا، و لذلك فإننا نرى انتشار الإسلام عالميا حتى لم تبق بقعة في العالم إلا وصلها الدين الحق.
و في بلاد المسلمين نرى عودة صادقة للإسلام التزاما به و دعوة إليه و عملا بشريعته و دعوة غير مسبوقة لتحكيمها في جميع مناحي الحياة.
ومن خلال قراءتي للتاريخ و تحليلي له؛ فإنني لاحظت أن ما يحدث لديار المسلمين المشرقية من خير أو شر يجد صداه في المغرب بعد سنوات.
فمثلا إذا نظرنا لمصر في بداية القرن الماضي نجد أنها كانت تتعرض لحملة شديدة من تيار علماني متفرنج حتى غابت عن مصر كثير من مظاهر التدين و أصبح الحجاب نادرا في القاهرة و المدن الكبرى. وكتب كتبا ضد الإسلام و شريعته ولغته، و ظهرت حركات نسوية علمانية تزعم أنها تريد تحرير المرأة و تطويرها. و برزت أسماء مشهورة في هذه الأمور.
ثم بفضل الله تعالى قامت حركات إسلامية صادقة، و ضحى علماء مخلصون دعوا للعودة إلى الإسلام و شريعته وأحكامه. فكان من نتاج ذلك ما نراه هذه الأيام من صحوة إسلامية لم تقتصر على مصر وحدها بل عمت العالم كله.
فهذه المعركة التي كان نتيجتها عودة الشعب المصري في غالبيته للإسلام وكثرة العلماء والدعاة عندهم وغير ذلك، هي التي نراها اليوم بالمغرب، و العلمانيون عندنا هنا يقتدون بنفس سلفهم وعلى أدبياتهم يقتاتون. قال تعال: {ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض}.
ولن تمر سنوات كثيرة، بحول الله تعالى. حتى نرى في مغربنا الأقصى ما يسر أهل الإيمان لأنها سنة الله و قدره الذي لا راد له: {كتب الله لأغلبن أنا و رسلي إن الله قوي عزيز}.
و ما نراه اليوم هو مقدمات لما سيكون غدا إنشاء الله تعالى.
س4: عن محاكماتنا؟.
ج4: محاكماتنا الأخيرة كانت مجرد مسرحية سيئة الإخراج و أول من يعرف ذلك هو القاضي الذي حكمنا؛ فإنه عند النطق بالحكم لم يستطع أن ينظر في وجوهنا و صرح بأنه لم يحاكمنا على ملفاتنا بل على الملف كله؟؟. و هذا من أعجب العجب!!.
والحق أننا نرتى للحال التي وصل إليها القضاء في بلادنا، و إن من علامات تحضر الأمم استقلال قضائهم و حكمه بالعدل. و نحن لا شريعة الإسلام اتبعنا و لا القوانين الأوروبية احترمنا. فإنا لله و إنا إليه راجعون.

حسن بن علي الكتاني
فك الله أسره
السجن المركزي بالقنيطرة
25-6-2009

-2-
أنهيت دراستي في الأردن أواخر سنة 1419ﻫ (1999م) فرجعت للمغرب نشيطا بنية المساهمة في الإصلاح و التوعية لأرفع مستوى بلادي، و لتكون في وضع يليق بتاريخها العريق.
فخطبت و درست، و كان لي علاقات واسعة طيبة بسائر الحركات الإسلامية، مع علاقات حسنة بغيرهم.
و بعد أحداث أمريكا بدأت الأمور تتغير شيئا فشيئا، و نظرا لموقفي الرافض للتحالف مع أمريكا ضد المسلمين، كما هو موقف جماعة من علماء المغرب، فقد كان جزائي التوقيف من الخطابة و التدريس و التضييق علي.
و بدأت مشاكلي أواخر سنة 1423ﻫ (2003م) حيث رفعت علي دعوى غريبة من أناس قيل إنهم من رواد مسجدي (مسجد مكة بسلا) و حاصلها أني أخالف المذهب المالكي و أنني صليت بهم صلاة الجمعة ركعة واحدة!!.
فتعجبت من ذلك كله، و قلت لهم: فهلا ناقشني أهل العلم؟ فما دخل الجهال في مسائل العلماء؟!.
وألقي علي القبض في جماعة من رواد مسجدي، و ذلك أوائل ذي الحجة سنة 1423ﻫ، غير أن التهمة تضخمت و أضيف إليها تهمة تنظيم معسكر تدريبي بغابة المعمورة بسلا مع الشيخ أبي حفص، فك الله أسره. و سرعان ما أطلق سراحنا بدون محاكمة و احتفظ بالملف إلى حين.
و في اليوم الثاني من عيد الأضحى (11 ذي الحجة سنة 1423 ﻫ/ فبراير سنة 2004م) جعلوا يعتقلوننا من جديد.
و بعد شهر تقريبا (9 محرم سنة 1424 ﻫ) ألحقوا بي الشيخ أبا حفص كذلك.
لكنهم بعد مواجهتنا بأصحاب الدعوى و بين بعضنا البعض لم يجدوا شيئا حتى إننا توقعنا الفرج القريب. إلى أن حدثت أحداث 16 ماي سنة 2004م، فبعد حوالي شهر منها اختطفنا من سجن سلا إلى مكان مجهول يشبه ما نسمعه عن (غوانتانامو)، و كان ذلك حي "ميم" في سجن سلا نفسه. فلم نفهم مغزى هذا الاختطاف حتى وجدنا أنفسنا محشورين حشرا في قضية ضخمة لم نتصور أن نصبح نحن زعمائها!!.
و بعد محاكمات صورية سريعة حكم علي من قبل القاضي الحسن الطلفي بـ 20 سنة سجنا.
و قد استجوبني في 13 دقيقة و لم يسمح لنا بإحضار الشهود، ممال جعل المحامين ينسحبون اعتراضا على المحاكمة غير العادلة. و لم يكن القاضي يستطيع النظر في وجهي لعلمه بأنه سيظلمني.
و مما يجدر ذكره هنا أن جماعة من الشباب أخبروني بأنهم عذبوا عذابا أليما ليشهدوا ضدي بأنني أفتيتهم بقتل فلان أو علان من الوزراء. و الحمد لله الذي عصمهم بالورع عن أن يفتروا علي ذلك. و إني لأعجب لمن يريد إلصاق التهم الباطلة بي ظلما و عدوانا. نسأل الله أن يكفينا شرهم.
ثم إن المجلس الأعلى حكم لصالحنا بنقض الحكم الأول لكونه كان ظالما لم يحضر فيه الشهود الذين زعموا أنهم شهدوا ضدنا، و انسحب المحامون. ففرحنا بذلك و استبشرنا خيرا، و تفاءلنا بقرب الفرج.
و بعد مماطلة، و سلسلة من الجلسات بلغت عشر جلسات دون إحضار الشهود المزعومين بدأت المحاكمة، بعد سنتين من الانتظار. فحضر جميع الشهود المزعومين، و تكلموا واحدا تلو الآخر و كلهم ينكر ما قيل على لسانه و ينكر معرفته بنا، على أننا لم نحاكم بمحاضر لأننا لم تستمع لنا الشرطة القضائية في هذه المحاكمة، إنما اعتمدوا على إفادات هؤلاء الشهود المزعومين. و حاصل ما عندهم أنهم حضروا لنا دروسا لا تتعدى الاثنين أو الثلاثة عن أمور عامة. و النيابة العامة بنت على ذلك جبالا من التهم الواهية الظالمة.
و تكلم المحامون جزاهم الله كل خير، و كانوا جماعة من خيرة محامي البلاد، فما تركوا شاذة و لا فاذة إلا وقتلوها بحثا و فندوا سائر التهم. مما أسقط كل ما تمسكت به النيابة العامة، بل لم يترك لها مقالا. ومع هذا كله، و بعد هذه المدة الطويلة ثبتوا الحكم علي بعشرين عاما.
و مما يجدر ذكره أن هذا القاضي الجديد المسمى (بوركيع) كان يشعر بأنه سيظلمنا، فإنه يوم النطق بالحكم جاء مهموما مشتت البال. فلما أراد النطق بالحكم أسرعوا بنا قبل حضور الناس و لم يكن يستطيع النظر لوجوهنا، و كان يتكلم بصوت خافت، و قال إنه لم يحكم علينا بما في ملفنا خاصة، بل بما في الملف كله عامة!!
و هذا من أعجب الأحكام التي يمكن أن تسمع، فإن معناه أنه حاكمنا بملف ما يسمى ﺒ (السلفية الجهادية) فكل ما يفعله شخص و ينسب لهذا الملف فهو في ميزان سيئاتنا في نظرهم.
و الحق أن إسرائيل نفسها لا تفعل هذا مع المنظمات الجهادية في فلسطين، فإنها تفصل بين المجاهد المقاتل، و بين العالم الداعية و السياسي النشيط. و لكن إذا كنت في المغرب فلا تستغرب!.
و السبب في هذا هو أننا لسنا زعماء لمنظمة، و لا توجد منظمة أصلا. و إلى يومنا هذا لم تثبت الدولة من فعل أحداث 16 ماي. فكيف نتحمل جريرة ما لم نفعله، بل ما ننكره و لا نوافق عليه. فإلى الله المشتكى من ظلم بني قومنا لنا.
و ظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند