5فبراير 2012 /// بمناسة ذكرى المولد النبوي الشريف إطلاق سراح الشيخ حسن الكتاني       
الكتاب الأبيض
2009-01-01
بسم الله الرحمن الرحيم

الكتاب الأبيض

العلامة حسن الكتاني ومحك العدالة المغربية

I - تعدد المتابعات و تنوع الإتهامات:

* المرحلة الأولى : شكاية مزعومة من لدن الخواص:
زُعم بأن السيدين الطيب بورية و الحسن الشباري رفعا نيابة عن مجموعة ساكنة في حي الواد بسلا شكاية إلى مصلحة الشرطة القضائية والسلطة الإدارية تفيد تمسكهما بالضرر الذي لحقهم منذ تولي الأستاذ محمد الحسن الشريف الكتاني إمامة مسجد مكة وما ترتب عنه من تغيير على مستوى أداء العبادة، أدى بهم مغادرة هذا المسجد و الانتقال إلى مسجد آخر بعيدًا عنهم .
البحث في هذه المرحلة انصب على الادعاء بأن الأستاذ الكتاني لما تولى الإمامة والقيام بالدروس التي تلقى في هذا المسجد كان يحرض على العنف، وأنه كان يحرض على الدعاء وجمع التبرعات للبوسنة وللشيشان وأفغانستان، ويحرض على الجهاد في هذه الدول من أجل مساندة المسلمين هناك.
و أمر وكيل الملك بابتدائية سلا الشرطة القضائية من أجل البحث في هذه القضية، فاستمعت إليه وأنجزت محضرا مكتوبا بمقتضى ذلك، والذي أنكر وفند فيه كافة هذه الاتهامات؛ إذ صرح فيه بأنه لم يسبق له أن حرض على العنف، و نافيا الأفعال الأخرى المنسوبة إليه .
وعند إحالة هذا المحضر على وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بسلا في بداية فبراير، اعتبر أن الشكاية والاتهامات لا تتوفر على أية عناصر تشكل أية جريمة طبقا للقانون ضد الأستاذ الكتاني؛ فأطلق سراحه في الحين، بعد ممارسة الحراسة النظرية عليه مدة يومين بمقر الشرطة القضائية.

* المرحلة الثانية، متابعة من لدن النيابة العامة:
فوجئ الأستاذ الكتاني بصدور قرار بإلقاء القبض عليه من طرف قاضي التحقيق بمحكمة الاستئناف بالرباط، بدعوى أنه قام بتكوين عصابة إجرامية، واتهم في تسييرها، وتسبب عمدا في إحداث اضطراب من شأنه الإخلال بهدوء ووقار العبادة، واستعمال وادعاء صفة حددت السلطة العامة شروط اكتسابها، أي: أنه كان يخطب بدون توفره على رخصة لإلقاء خطبة الجمعة، و كونه عقد اجتماعات عمومية خارج المسجد وبغابة معمورة، بدون تصريح مسبق، وأيضا: مارس نشاطا في جمعية غير مرخص لها، وذلك بصحبة كل من: السيد هشام صابر، ونور الدين الزريدي، ومحمد اليابور، وأحمد بناصر، وتوفيق الفاطمي، وعبد القادر تيما، وجواد البقالي، ومحمد أدري، وحميدو المالكي، وبوعزة إيديحا.
بعد ذلك بفترة وجيزة تم اعتقال و إلحاق السيد محمد عبد الوهاب رفيقي بهذا الملف، بتهمة: تكوين عصابة إجرامية والمشاركة فيها، باعتبار أنه حضر مع الأستاذ الكتاني والأشخاص المذكورين إلى غابة معمورة، حيث نسبت إليهم الشرطة القضائية: الاتفاق على القيام بأعمال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالعنف، ضد المنحرفين والمخلين بالتعاليم الدينية داخل مدينة سلا، و بالتحديد داخل منطقة وادي الذهب .
وخلصت الشرطة القضائية عند إنجاز المحضر إلى القول بأن الأستاذ الكتاني: هو عنصر نشيط في تنظيم "السلفية الجهادية"، وقام بنشر دعوته التي تعكس توجهاته المتطرفة، وتهدف إلى المس بسلامة المواطنين وممتلكاتهم، وأن حضوره إلى النزهة التي أقيمت في غابة المعمورة رفقة الشيخ عبد الوهاب رفيقي كان حضورا لمعسكر تدريبي، وأنه استغل مجموعة من الشباب لتنفيذ مخططات هذه العصابة الإرهابية. وما يؤكد ذلك – حسب ادعاء النيابة العامة – هو أنه: حرض هؤلاء الشباب المتواجد في غابة المعمورة على القيام بالحملات التطهيرية ولو باستعمال القوة، والتي تعتبره النيابة العامة كخطوة أولى لمخطط مستقبلي كبير يرمي إلى إثارة بلبلة في المجتمع، وزعزعة استقراره!.
ففتحت مسطرة للتحقيق في هذا النطاق، وتم (اختطاف) هؤلاء الشباب كلهم إلا الأستاذ الكتاني الذي سلم نفسه في 18 فبراير 2003، لقاضي التحقيق الذي استمع إليه في محضر استنطاق ابتدائي. ومما وجهه إليه قاضي التحقيق : اتهامات تكوين عصابة إجرامية، و التجمع الغير القانوني، وتأسيس جمعية غير مرخص لها، وانتحال صفة. و أنكر الأستاذ الكتاني كافة هذه التهم .
ثم قرر قاضي التحقيق آنذاك اعتقال الأستاذ الكتاني وإيداعه بالسجن المحلي بسلا، وتم بعد ذلك الاستماع إليه في محضر تفصيلي بحضور محاميه، والذي أكد فيه بأنه لا ينتمي لأي جماعة أو أي عصابة إجرامية، وأنه لم يسبق له أن حرض أي شخص على القيام بأعمال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقوة أو بالعنف أو بالترهيب، ولم يكن له أي مخطط يمس بالسلامة الجسدية والمالية أو ممتلكات الناس، وأنه كان يقوم بدروس الوعظ والارشاد بصفة قانونية في مسجد مكة بشكل علني، والمسجد مفتوح للعموم، وممثلوا السلطة المحلية يتواجدون به، وكانت الدروس تتمحور حول دراسة وتدريس كتاب "منهاج المسلم" للشيخ أبي بكر الجزائري، والذي هو في إطار المذهب المالكي، و لم يدع البتة إلى أي أعمال إرهابية أو الكراهية أو الاعتداء على أي شخص.
وبعد ذلك استمع قاضي التحقيق إلى كل من السيد عمر الحسن الشباري، والطيب بورية، واستفسرهما حول الشكاية التي قدماها في موجب محمد الحسن الشريف الكتاني، وأكدا معا بأنه لم يسبق لهما أن قدما أية شكاية ضد الأستاذ محمد الحسن الشريف الكتاني، وأنه لم يسبق لهم أن تعرفوا عليه إلا عندما حضروا أمام الشرطة القضائية بسلا، و أكثر من ذلك: صرح الحسن الشباري بأنه لا يؤدي الصلاة بصفة نهائية. أما بالنسبة للطيب بورية: فصرح بأنه يصلي في مسجد آخر، وليست له أي علاقة بمسجد مكة، والشيء نفسه صرح به كل من السادة: مصطفى أدري، وتوفيق الفاطمي، وأحمد بناصر، ومحمد اليابور، وعبد القادر القادر تيما، وجواد البقالي، ونور الدين الزرايدي، وبوعزة إيديحا، وأحمد المدكيس؛ صرحوا جميعا بأنهم لا يرتبطون بأي تنظيم ولا أي عصابة، وليست لهم أي علاقة بالأستاذ محمد الحسن الشريف الكتاني، وأنهم يؤدون الصلاة بالمسجد المذكور في بعض الأحيان فقط، ولا تربطهم ببعضهم أي علاقة.
وبالتالي فهم ينفون أيضا أن الأستاذ الكتاني حرضهم على القيام بأعمال العنف في خطبه أو دروسه أو بواسطة منشورات، أو أنه كان يحرض على جمع التبرعات و الجهاد في أفغانستان و الشيشان. وبالتالي؛ فهم يستغربون تواجدهم في هذا الملف.
أمام هذا الإنكار المتواتر لكافة الأظناء، وإنكار الشهود أيضا؛ إن محضر الطيب بورية ومحضر الحسن الشباري الذين كانا أساس متابعة الأستاذ الكتاني مزوران، ولم يتضمنا شكاوى صحيحة، وأن هذا الملف هو عبارة عن قضية مطبوخة ضد الأستاذ الكتاني لأهداف وأسباب غير معروفة، بل وعدم وجود أية قرينة ولو بسيطة تؤكد الاتهامات والوقائع المنسوبة للأستاذ الكتاني، فأصدر قاضي التحقيق أمرا يوم 02/04/2003 بمنح السراح المؤقت لكل من مصطفى أدرى، وتوفيق الفاطمي، وأحمد بن ناصر، ومحمد اليابور، وعبد القادر تيما، وجواد البقالي، ونور الدين الزرايدي، وبوعزة إيديحا، وحميدو المالكي. لكن قاضي التحقيق رفض السراح المؤقت بالنسبة لكل من هشام صابر و محمد عبد الوهاب رفيقي و محمد الحسن الشريف الكتاني، بدون أي مبرر مشروع، معللا قراره بعدم توفر المتهم على الضمانات الكافية للحضور دون توضيح هذه الضمانات و رغم توفر المتهم على سكن و عمل قارين .
ورغم ذلك، كان من المنتظر، بعد أن انتهى قاضي التحقيق منذ شهر مارس 2003 من التحقيق في هذا الملف، أن يصدر قرارا بعدم المتابعة لصالح الأستاذ الكتاني لانعدام أي دليل ضده، وإنكاره كافة الاتهامات المنسوبة إليه. لكن الملف بقي معلقا بدون أي مبرر طيلة شهر أبريل و بداية ماي.

* المرحلة الثالثة : إحالة الملف من قاضي التحقيق بالرباط إلى قاضي التحقيق بالدار البيضاء:
بعد وقوع الأحداث الدامية يوم 16ماي 2003، أصدر قاضي التحقيق باستئنافية الرباط محمد الحفايا قرارًا بإحالة الأستاذ الكتاني إلى الدار البيضاء، بدعوى ارتباط الوقائع المنسوبة إليه بوقائع و اتهامات منسوبة إلى "مجموعة يوسف فكري" التي تتكون من 31 متهمًا، و الذين توبعوا من أجل القتل العمد، و المشاركة في القتل العمد و الإيذاء العمدي، و السرقة ، والتزوير، والتجمع غير القانوني، بدعوى أن للأستاذ الكتاني علاقة وطيدة بالمتهمين في الملف الأخير، فتم إحالة الملف على أساس أن يقوم قاضي التحقيق بالغرفة الثانية بمدينة الدار البيضاء السيد ناجيم بن سامي بالتحقيق على أساس ضم ملفه إلى ملف يوسف فكري.

II - إقحام الأستاذ الكتاني في أحداث 16 مايو:

- متابعة جديدة:
تقدمت النيابة العامة عندما تم إحالة الملف على قاضي التحقيق بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء بملتمس إضافي يرمي إلى متابعة الأستاذ الكتاني من أجل: تكوين عضابة إجرامية، والقتل العمد، والمشاركة في القتل العمد، والمشاركة في الإيذاء العمدي المؤدي إلى عاهة مستديمة، والمشاركة في الاعتداء المؤدي إلى جروح، و المس بالسلامة الداخلية للدولة بدعوى أنه من أقطاب السلفية الجهادية، و أنه حرض المجموعة التي قامت بجرائم أحداث 16 ماي 2003. واعتمدت النيابة العامة بعض المحاضر من بين25 محضرا ينسب فيها المتهمون للأستاذ الكتاني أنه حرضهم على القيام بالأعمال الإجرامية .

- تحقيق جديد:
فتحت مسطرة تحقيق جديدة على أساس هذه المتابعة، و في الاستنطاق الابتدائي أنكر الأستاذ الكتاني كافة الوقائع والاتهامات المنسوبة إليه، مؤكدا أنه سني مالكي. وبعد فترة وجيزة أجري استنطاق تفصيلي دام نصف ساعة فقط، أكد فيها المتهم بصفة جازمة نفيه لكافة الاتهامات والوقائع المنسوبة إليه، وأنه سني مالكي كآبائه وأجداده، وليست له أية علاقة بما سمي بالسلفية الجهادية أو بأحداث 16 ماي 2003، ونافيا أنه يحرض على الجهاد أو ضد اليهود المغاربة، بل أنه لم يسبق له أن دعا إلى القيام بأعمال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالعنف. و أضاف بأنه التقى بالفيزازي والحدوشي في مناسبات عادية، ولا تربطه معهما أية علاقة خاصة، وأنه سبق له أن كتب كتابات عدة و مقالات ثقافية دينية عامة لا تتعلق بما هو متهم به الآن، وأن علاقته بمحمد عبد الوهاب رفيقي الملقب بأبي حفص علاقة علمية، وعلاقة صداقة عائلية، لم يسبق لهما أن اتفقا على أي عمل إجرامي، وأنه ضد تكفير المجتمع، أو تكفير أي شخص أو أي مسئول، وأكد على استعداده لمواجهة كافة المتهمين المشار إليهم في هذه المساطر المرجعية الخمسة و العشرين.
وأضاف أنه: أدان أحداث 16 ماي 2003 و أصدر 5 بيانات في هذا الإطار، نشرت في الأسبوع الأول من الأحداث في مختلف الجرائد الوطنية : العصر، و النهار، و الصحيفة... و غيرها . و أنه كان معتقلاً منذ 19فبراير 2003، أي : قبل الأحداث بأكثر من ثلاثة أشهر، وأن أهدافه هي : التوعية الدينية، والدعوة إلى الله بالحسنى ، و للتقليل من المفاسد الاجتماعية والغلو و الانحراف في الدين.
واختزل التحقيق في جلسة واحدة و استنطاق المتهم، و لم يقدم قاضي التحقيق على إجراء أي بحث آخر أو على استنطاق الأشخاص المتهمين التي نسبت إليهم في محاضر الشرطة توريط الأستاذ الكتاني في أحداث 16 ماي .
وعلى أساس هذه الجلسة الفريدة، أصدر قاضي التحقيق قرارًا يقضي بمتابعة الأستاذ الكتاني و ذلك يوم 16/07/2003 و إحالته على غرفة الجنايات بالدار البيضاء ، و ذلك من أجل: تكوين عصابة إجرامية، و المس بسلامة الدولة الداخلية، و ارتكاب اعتداءات الغرض منها إحداث التخريب و التقتيل في منطقة أو أكثر، والمشاركة في القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، والمشاركة في الإيذاء العمدي المؤدي إلى عاهة مستديمة، والمشاركة في الإيذاء العمدي المؤدي إلى جروح، مما يفيد أن قاضي التحقيق أقحم الأستاذ الكتاني في الجرائم التي ارتكبت في 16 ماي 2003، و في الأفعال المنسوبة للأشخاص الذين تم ضبطهم و سُجِّل اعترافهم للشرطة القضائية و للنيابة العامة بأنهم كانوا يعتزمون القيام بأعمال تخريبية عبر الاعتداء على الأشخاص .
واعتبر قاضي التحقيق قي قرار الإحالة أن الأستاذ الكتاني أحد العقول المدبرة للسلفية الجهادية، وأنه أصدر فتاوى تدعوا إلى القيام بأعمال الاعتداء على الناس، وأنه مخادع واتخذ الدين مطية، وبقي في الظل، وأن له سلطة على هؤلاء الذين قاموا بأعمال 16ماي 2003 و غيرهم من الذين سيقومون بمثلها، و أنه كون معهم عصابة تهدف إلى ارتكاب جنايات .
هذه العناصر التي أدت بقاضي التحقيق إلى إصدار الأمر بالإحالة على الغرفة الجنائية، استعملت في مرافعة نائب الوكيل العام للملك الذي التمس الحكم على الأستاذ الكتاني بأقصى العقوبات؛ و هي : الإعدام.

- محاكمة شتنبر 2003:
-التجريح في الهيئة: قام دفاع المتهم قبل التعرض إلى الموضوع بتجريح هيئة المحكمة، والجدير بالذكر أن هذه الهيئة المشكلة لغرفة الجنايات، والتي يرأسها السيد لحسن الطلفي سبق لها أن بثت في الملف المعروف بملف يوسف فكري، ويرتبط ارتباطا وطيدا بالمتابعة المجراة ضد الأستاذ الكتاني، إذ يهم المتهمين المعتمد تصريحاتهم في المتابعة المذكورة. وأصدرت فيها قرارًا تعتبر فيه الأستاذ الكتاني من بين أقطاب هذا التنظيم المحرض على ارتكاب أفعال إجرامية التي توبعوا فيها، وبذلك فإن الهيئة المذكورة التي كونت قناعتها في الملف المحكوم ليست مؤهلة قانونا للبت في قضية مرتبطة بملف آخر سبق أن بتت فيه، وطالبت هيئة الدفاع بذلك استبدال هذه الهيئة، إلا أن الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء أصدر قراره برفض هذا الطلب، و أقر بأن هذه الهيئة قانونية و يمكنها البت في هذه القضية.
-طلب استدعاء الشهود: بما أن المتابعة تقوم على التصريحات المنسوبة لـ 25 متهم؛ و التي تفيد بعضها بأن الأستاذ محمد الحسن الشريف الكتاني حرضهم على ارتكاب الأفعال المنسوبة إليهم و التي حكموا من أجلها، طالب دفاع المتهم بمقتضى المادة 319 من قانون المسطرة الجنائية استدعاء هؤلاء الأشخاص كشهود ليتسنى استنطاقهم بحضور المتهم و دفاعه و النيابة العامة و التأكد من صحة ما نسب إليهم من تصريحات لدى الضابطة القضائية .
ورغم أن هذه التصريحات شكلت العنصر الوحيد الذي اعتمدته النيابة العامة في متابعتها؛ فإن المحكمة قررت تأجيل البت فيه إلى حين الاستماع إلى المتهم، وبعد الاستماع إلى هذا الأخير الذي نفى كافة الاتهامات المنسوبة إليه، وأكد أن هؤلاء المتهمين الشهود لا تربطه بهم أية علاقة، وليس بينهم أي اتفاق، ولم يسبق له أن حرضهم على القيام بأي من الأفعال المنسوبة إليه، أكد الدفاع ملتمسه الرامي إلى استدعاء الشهود، إلا أنه فوجئ بقرار آخر صادر عن المحكمة تقضي فيه بإرجاء البت مرة أخرى في استدعاء الشهود إلى أن ترافع النيابة العامة والدفاع في الجوهر. الأمر الذي يعتبر رفضا ضمنيا للطلب.
وهكذا، و بعد أن اختزل التحقيق الإعدادي في جلسة وحيدة دامت نصف ساعة فقط، لم يتح للأستاذ الكتاني أثناء المحاكمة الاستفادة من الضمانات القانونية المخولة إليه للدفاع عن نفسه، وأبسط هذه الضمانات تكمن في استدعاء الأشخاص المعتمدة تصريحاتهم ضده.
وأمام هذا الوضع غير القانوني الذي تبنته المحكمة، وبالنظر إلى الخروقات المتتالية المشار إلى أهمها أسفله، وحرمان المتهم من حقه في الاستماع إلى الشهود، أصبح دور الدفاع دورا شكليا، مادام المتهم حرم من أبسط وسائل دفاعه، وبالتالي قرر المحامون الانسحاب من القضية.
والجدير بالذكر أنه تم تعيين محامي على سبيل المساعدة القضائية، وأعطيت له بضع ساعات من أجل مؤازرة المتهم، ونظرا لحجم الملف؛ أكد المحامي المعين عدم استطاعته مزاولة مهمته بكيفية مرضية في هذه الظروف، كما أن المتهم تشبث بهيئة دفاعه.
وبعد المداولة، أصدرت المحكمة حكمها بتاريخ 25 شتنبر 2003 يقضي بإدانة الأستاذ الكتاني و بالحكم عليه بعقوبة 20 سنة سجنا نافذا.
وأن القرار علل بالحيثيات التالية :
"و حيث أنه بمقتضى الفصل 288 من ق.م.ج أعطى المشرع كامل الحرية للمحكمة في تكوين قناعتها من كل ما يعرض ويناقش أمامها من تصريحات، ولها أن تعتمد تصريح متهم أمام الضابطة القضائية في مساطر مرجعية على متهم آخر في الإدانة أو البراءة، ولو لم يحضر ذلك المتهم أمامها، والذي سبق إحالته على العدالة، إذ الأمر يدخل في نطاق السلطة التقديرية المخولة لها بمقتضى الفصل المذكور " .
"وحيث إن تصريحات المتهمين المحالين على الدالة بمقتضى المساطر المرجعية المدرجة بالملف جاءت متساندة ومستساغة منطقيا في مواجهة المتهمين محمد عبد الوهاب الرفيقي وحسن الكتاني، وتعتبر كقرينة حظيت باقتناع المحكمة، وترى هذه أنه: لا ضرورة لاستدعاء أولئك المتهمين.

III- الخروقات التي شابت البحث التمهيدي والتحقيق والمحاكمة:
إن هذه الخروقات تتمثل بصفة خاصة في ما يلي:
الخرق الأول: و يتعلق بخرق مقتضيات الفصل 765 من قانون المسطرة الجنائية، والذي نص على أن كل إجراء يأمر به هذا القانون ولم يثبت إنجازه على الوجه القانوني يعد كأنه لم ينجز. فعلى أساس ملتمس النيابة العامة أصدر قاضي التحقيق بالرباط قرارا بإحالة الملف على قاضي التحقيق بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء بدعوى أن الاتهامات المنسوبة إلى المتهم مرتبطة بقضية يوسف فكري و المعتقلين معه .
ومع العلم بأن الأوامر الصادرة عن قاضي التحقيق محددة على سبيل الحصر في قانون المسطرة الجنائية؛ فإنه لا يوجد إطلاقا بهذا القانون ما يؤهل قاضي التحقيق إحالة الملف على قاضي تحقيق آخر، بحيث إن هذه الإحالة تعتبر بذلك باطلة، وأن كل الإجراءات المترتبة عن هذه الإحالة تكون كذلك باطلة.
الخرق الثاني: إن الهيئة المشكلة لغرفة الجنايات التي بتت في الملف هي هيئة غير قانونية، فتشكيلها مخالف للفصل 11 من الإجراءات الانتقالية، باعتبارها هيئة غير منتخبة، و أن محضر الجمعية العمومية لقضاة محكمة الاستئناف المنعقد يوم 26/12/2002 قد انتخب هيئة الغرفة الجنائية، بينما من ترأس الهيئة وهو السيد الطلفي لحسن لم يتم انتخابه، بل و أكثر من ذلك لم يكن عضوا في هذه الجمعية العمومية، وأنه تم استقدامه من المحكمة الابتدائية – الفداء بمدينة الدار البيضاء التي يتولى رئاستها، ووقع تعيينه من طرف الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، وقانون المسطرة الجنائية يعتبر الحكم الصادر عن هيئة غير مشكلة بصفة قانونية حكمًا باطلاً .
الخرق الثالث: هيئة المحكمة التي أصدرت الحكم لم تكن متوفرة على التجرد؛ لأنه سبق لها أن بتت في قضية مرتبطة بالملف المتعلقة بالمتهم .
الخرق الرابع : عدم استدعاء الشهود. و يتعلق برفض استدعاء الشهود، إخلالا بالتوازن في الحقوق ما بين سلطة الإتهام ودفاع المتهم، فالوصول إلى الحقيقة كان يستلزم القيام بكافة الإجراءات القانونية بما فيها استدعاء الشهود، وهو حق نص عليه الفصل 319 من قانون المسطرة الجنائية والمعيار الدولي المتعلق بالمحاكمة العادلة.
الخرق الخامس: اعتماد عناصر لم يقع مناقشتها حضوريا وشفويا أثناء الجلسة. فبالارتباط مع الخرق الرابع، و بسبب عدم قبول طلب استدعاء الشهود، أي الأشخاص التي نسبت إليهم الشرطة تصريحات تهم المتهم، لم يتأتى مناقشة هذه التصريحات شفويا بحضور الأشخاص المذكورين، الشيء الذي يشكل خرقا لمقتضيات الفصل 289 من قانون المسطرة الجنائية .
الخرق السادس: خرق مقتضى الاتفاقية الدولية المتعلقة بالحقوق المدنية والسياسية المنشورة في الجريدة الرسمية عدد 3525 بتاريخ 21/5/1980، والتي تنص على أن كل متهم مهما كانت جريمته، له الحق في أن يستجوب بنفسه شهود الخصم ضده، ذلك أن كل ما ينشر بالجريدة الرسمية يعتبر تشريعا وطنيا ملزم التطبيق من طرف القضاء الوطني.

VI- نقد المجلس الأعلى للقضاء حكم محكمة الاستئناف:
وبعد طول انتظار دام نحو أربع سنوات، قضى المجلس الأعلى للنقض والإبرام بنقض الحكم الصادر حول السيد حسن الكتاني بتاريخ 24 يناير 2007، وجاء في نص الحكم: "إن عدم الجواب على دفوع وطلبات الأطراف بشكل قانوني، والمسجلة في متن القرار يعد نقصا في التعليل ينزل منزلة انعدامه". وأعادت المحكمة الملف إلى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء إعادة المحاكمة.

V- إعادة المحاكمة بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء:
انتقل الملف إلى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، التي أجلت المحاكمة في مماطلة غير مبررة عشر مرات على التوالي: 15/6/2007، 20/7/2007، 28/9/2007، 9/11/2007، 7/12/2007، 1/2/2008، 14/3/2008، 30/5/2008، 10/10/2008، والجلسة التالية بتاريخ: 26/12/2008. كل ذلك بدعوة عدم حضور الشهود، كما رفضت المحكمة منح السراح المؤقت للأستاذ الكتاني رغم توفر كل الشروط القانونية، واقتراح الدفاع إعطاء ضمانات مالية للمحكمة من أجل ذلك.
ثم بعد ذلك أحضرت المحكمة الشهود في جلسات ماراطونية استمرت إلى تاريخ 2/ مايو/ 2009، حيث أنكر جميع المدعون شهودا – بعد إلقائهم القسم القانوني بطلب من القاضي - أي شهادة لهم ضد الأستاذ الكتاني، بل نفى جلهم باستثناء محمد الفزازي أي معرفة مسبقة لهم بالأستاذ الكتاني قبل اعتقالهم، وأنهم لا يعرفونه سوى في السجن.
في هذه المرحلة أصبح الملف فارغا، ووجب قانونيا الإطلاق الفوري لسراح الأستاذ الكتاني، لأن الحكم بني أساسا على وجود شهود، ونقض المجلس الأعلى للقضاء الحكم الصادر أوليا في الأستاذ الكتاني نظرا لعدم إحضار المحكمة الشهود، غير أن هيئة الدفاع تفاجأت بتأكيد القاضي الحكم على الأستاذ الكتاني بتاريخ 2 مايو 2009، قائلا: "إنني لم أحاكمكم بمقتضى ملفكم هذا، بل بالنظر إلى الملف ككل!". يعني: حوكم بجريرة غيره لا بجريرته، وهو خرق سافر لمبدأي البراءة الأصلية، وحيادة القاضي.
إن حكما كهذا هو حكم غير قانوني البتة، وبالرغم من ذلك فقد رفع الدفاع للمجلس الأعلى للقضاء مذكرة في طلب النقض مرة أخرى، ليستمر الأستاذ الكتاني في معاناته التي استمرت إلى الآن نحو سبع سنوات، في إطار غياب تام لأي مبرر قانوني لاعتقاله والحكم عليه بعشرين سنة سجنا نافذة!.
وقد زاد من معانات الأستاذ الكتاني رفضت مندوبية السجون نقله للسجن المركزي بمدينة سلا المجاورة للرباط حيث يقطن ذووه، وقررت إبقاءه بالسجن المركزي "عكاشة" بالدار البيضاء، ومنع دخول الكتب إليه، ومنعه من حقوقه الطبيعية بما فيها الخلوة الشرعية، وتعسير ظروف زيارته، ما تسبب في إرهاق كبير لأهله وذويه الذين لا يتمكنون من زيارته إلا في أسوأ الظروف. مما حذا به إلى كتابة بيان بتاريخ: 25/11/2009 يعلن فيه إضرابا مفتوحا عن الطعام طلبا في إشهار حقه وإعلان براءته وإخراجه من السجن القسري الذي يعانيه.

استنتـاجـات
في ظرف بضعة أشهر، تعددت المساطر إزاء الأستاذ محمد الحسن الشريف الكتاني واختلفت أسباب المتابعة، وهذا العنصر في حد ذاته يدل على عدم وجود وقائع ثابتة وقرائن قوية تبرر متابعته. ولقد أدى ذلك بالشرطة القضائية في أول متابعة من محاولة اختلاق حجج ضد المتهم، عن طريق تزوير تصريحات منسوبة لأشخاص قيل أنهم تقدموا بشكاية ضده.
وتمت إحالة غريبة لملف التحقيق من الرباط إلى الدار البيضاء بطريقة مخالفة للقانون.
وبعد الإحالة المذكورة، أجريت متابعة جديدة القصد منها إقحام الأستاذ الكتاني في أحداث 16 ماي دون أي أدلة قانونية، علما أنه كان معتقلا قبل تلك الأحداث بأكثر من ثلاثة أشهر .
وفي نطاق هذه المتابعة الأخيرة، خضع المتهم لتحقيق تفصيلي صوري لا يتجاوز نصف ساعة.
وتم إجراء محاكمة الأستاذ الكتاني من لدن هيئة قضائية غير قانونية، وهذه الهيئة كانت تفتقد للأهلية القانونية، لكونها أصدرت أحكاما في قضية مرتبطة ارتباطا وطيدا بالاتهامات الموجهة ضد الأستاذ الكتاني .
وأمام هذه الهيئة حرم الأستاذ الكتاني من حقه في الدفاع عن طريق مزاولة حقه في طلب استدعاء الشهود.
وبذلك، فإن تشكيل الهيئة القضائية وافتقادها للأهلية شكلت قرائن قوية على عدم استقلاليتها وعدم تجردها. وإن رفض استدعاء الشهود في كل أطوار المحاكمة، واعتماد مجرد تصريحات نسبت إلى متهمين من لدن الشرطة، كل ذلك يؤكد خرق مبدأ "قرينة البراءة". وهذه العناصر تدل بصفة جلية افتقاد محاكمة الأستاذ الكتاني لشروط المحاكمة العادلة كما نصت عليها المادة 14 من العهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية المصادق عليه من لدن المملكة.
وبالرغم من نقد المجلس الأعلى لحكم محكمة الاستئناف وإعادة المحاكمة، ونفي جميع المسمون شهودا بعد أدائهم القسم القانوني أمام القاضي وهيئة الدفاع أية شهادة لهم ضد الأستاذ الكتاني، وفراغ الملف عمليا من أية دليل إدانة، فقد أكدت محكمة الاستئناف الحكم بعشرين سنة سجنا نافذة، وهنا بحجة: "إنني لم أحاكمكم بمقتضى ملفكم هذا، بل بالنظر إلى الملف ككل!". يعني: حوكم بجريرة غيره لا بجريرته، وهو خرق سافر لمبدأي البراءة الأصلية، وحيادة القاضي.
وإن عدم استفادة الأستاذ الكتاني من محاكمة عادلة من جهة، وعدم وجود عناصر إثبات للتهم الموجهة إليه من شأنها أن تبرر إقحامه في أحداث 16 ماي عن طريق المشاركة أو التحريض على العنف من جهة ثانية، إن دلا على شيء فإنما يدلان على أن الأستاذ الكتاني توبع من أجل مزاولته لحرية الرأي ليس إلا، الشيء الذي يشكل خرقا للمادتين 18 و 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومن العهد الدولي المذكور أعلاه.

لجنة الدفاع عن المعتقل السياسي الأستاذ حسن الكتاني